|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |

 
     
 

 

تطهير «طائفي» بوتيرة هادئة ضمن حرب العراق ضد المتطرفين
 

الرويشد : «الشرق الأوسط»
الخميس 8 / 1 / 2015

اختفى كامل سكان هذه القرية الصغيرة الواقعة إلى الشمال من بغداد ولم يتبق فيها سوى مقاتلي الميليشيات الشيعة الذين، قبل أسبوعين تقريبا، ساعدوا القوات العراقية في انتزاع القرية من تنظيم داعش.

جلس أحد القادة مع رجاله في أحد الأيام الأخيرة خارج أحد المنازل التي احتلها المقاتلون ليستدفئوا بالنار التي أشعلوها لإعداد الشاي. قال قائد المجموعة عدنان حسن (59 سنة) إنهم لا ينوون السماح بعودة السنة مجددا إلى القرية، متهمين إياهم بمساعدة المتطرفين، مضيفا: «إذا سمحنا لسكان تلك القرية بالعودة إلى منازلهم، فسيفعلون ذلك مرة أخرى ضدنا». استخدم المتطرفون القرية في إطلاق قذائف الهاون على مدينة بلد القريبة ولا يزالون يسيطرون على قرى لا تبعد إلا أميالا قليلة. وأضاف حسن قائلا لوكالة «أسوشييتد برس»: «تلك أراضينا. ولقد ضاعت منا قبل قرون مضت»، مشيرا إلى البساتين والأراضي الخصبة المحيطة بمنازل القرية التي يبدو عليها الثراء.

رغم أن مزاعم حسن حول ملكية تلك الأراضي واهية في أفضل أحوالها، فإن تعليقاته تشير إلى زاوية كئيبة من حرب العراق ضد «داعش». إذ تستغل الميليشيات الشيعية الحرب الدائرة لتغيير التركيبة السكانية في المناطق السنية. وبينما تتركز هذه الممارسات على الطرق المؤدية إلى المزارات الشيعية المقدسة في الشمال والجنوب من بغداد، فإن التطهير الطائفي يزرع بذور الصراعات المستقبلية، أو حتى يزرع حربا أهلية صريحة والتي يمكن أن تندلع وتمزق الأمة على أسس طائفية وعرقية، وهو المصير الذي يعتبره عدد متزايد من العراقيين، وخصوصا السنة منهم، حلا للاضطرابات الدموية التي تشهدها البلاد.

وكان عشرات الآلاف من العراقيين السنة فروا من مناطقهم الأصلية العام الماضي هربا من ممارسات «داعش» الوحشية. واجتاح المتطرفون أجزاء كبيرة من شمال وغرب العراق ووصلوا حتى مشارف بغداد. وتمكنت قوات الأمن والميليشيات الشيعية من طرد المتطرفين من بعض تلك المناطق. لكن مُنع السكان السنة من العودة إلى منازلهم، بدعوى أن تلك المناطق لم تؤمن بعد. وفي كثير من الحالات، لم يتمكنوا من العودة بسبب تدمير منازلهم خلال القتال أو نسفها من قبل الميليشيات.

وبالنسبة للسكان السنة الذين بقوا في منازلهم وتحملوا حكم «داعش» فإنهم يواجهون أسوأ المآزق عندما تعيد القوات الشيعية سيطرتها على تلك المناطق. إذ أنهم يواجهون تهمة معاونة المتطرفين، وعادة ما تنسف منازلهم، ويتعرض الرجال للاعتقال أو تنفى عائلات بأكملها وتعطى ممتلكاتهم إلى وافدين.

هذا التغيير الديموغرافي يزعزع الحكومة حتى أن رئيس الوزراء حيدر العبادي تكلم عنه بقوة داعيا إلى الوحدة الوطنية. وفي حديثه مع خريجي الكليات العسكرية العراقية أول من أمس، دعا إلى السماح لسكان المناطق المحررة بالعودة إلى منازلهم.

كما أدان المرجع الشيعي الأعلى في العراق، آية الله علي السيستاني، التجاوزات التي ارتكبها رجال الميليشيات عبر فتوى أصدرها الأسبوع الماضي حرم فيها سرقة ممتلكات سكان المناطق المحررة من تنظيم داعش.

ويقول السياسي العراقي حامد المطلك «إن ما نتعامل معه هو محاولة حقيقية للتغيير الديموغرافي، مقترنة بالانتهاكات الصارخة. لقد أصبح من الصعوبة بمكان الآن للسكان السنة العودة إلى ديارهم، ليس لأن منازلهم دمرت، لكنه الخوف المتأصل الذي يعيق رجوعهم».

وطُرد من محافظة ديالى، شمال شرقي العاصمة، غالبية مسلحي تنظيم داعش، لكن العائلات العربية السنية لم يُسمح لها بالعودة، حسب رعد الدهلكي، وهو نائب سني من محافظة ديالى. وتعتبر تلك المحافظة طريقا رئيسيا للزوار الإيرانيين المسافرين إلى المزارات المقدسة. وأضاف الدهلكي: «يقولون: إنهم سيسمحون للسكان (الموالين) فقط بالرجوع. وهي ذريعة يتخذونها للتغيير الديموغرافي في المحافظة». بدوره يقول المطلك وغيره من النواب السنة أن المنطقة المحيطة بالعاصمة بغداد هي من المناطق المستهدفة لإخلائها من السكان السنة.

وتضم مدينة بلد مزارا شيعيا إلا أن المناطق الريفية المحيطة بها على طول نهر دجلة تسكنها أغلبية سنية مثل قرية الرويشد. وخلال الأسابيع الماضية، اجتاحت القوات العراقية المدعومة من المتطوعين المنطقة بأكملها، وطردت منها المتطرفين. والسبت الماضي كانت قوات الشرطة قد غادرت، وحل محلها المتطوعون بقيادة حسن الذين استولوا على الكثير من المنازل. ووصف ليث أحمد، وهو مسؤول في «هيئة الحشد الشعبي» المشرفة على المتطوعين، كامل سكان القرية بأنهم من مؤيدي تنظيم داعش.

وقال مظفر عبد الرضا وهو شيعي في الـخمسينات من عمره «والله، لن أسمح للسنة بالعودة مرة أخرى إلى بلد. قد كانوا على اتصال بالمتطرفين خلال الحصار». بدوره، قال حسين شامل، وهو صاحب أحد المطاعم في بلد: «إننا أفضل حالا من دون وجود السنة بيننا».

وقال صلاح الكركي، وهو من أصحاب المزارع، بأنه في أواخر يوليو (تموز) جاءت الميليشيات الشيعية إلى منزله في قرية الرفيعات بالقرب من بلد وأخبروا سكانها من السنة بمغادرة القرية بدعوى أن القوات الشيعية تقاتل تنظيم داعش في الجوار. ثم انتقل الكركي مع زوجته برفقة ابنته وزوجها وحفيدين إلى حي الأعظمية في بغداد حيث استقروا. وأضاف: «ينتظرنا الموت إذا رجعنا. هناك خطة متعمدة لإجبار السكان السنة على ترك منازلهم. لم نقدم الدعم أبدا إلى (داعش)، لكن، كما هو الحال في العراق، على الأبرياء دفع الثمن».

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter